ابن بسام
313
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
سردا ، فكأنما نظمت به في جيد الدهر [ 1 ] عقدا . وإنك - أعزك اللّه - لما نمي إليك ما تحملته الركائب ، وأثنت به الحقائب ، وغمر المسامع ، وعمر المشاهد والمجامع ، وامتلأت منه الآفاق ، ووقع عليه الإصفاق ، من محاسن المأمون ذي المجدين التي هي كالنجوم اعتلاء ، والصباح انجلاء ، والروض بهاء ، وأنك شمت من كرم شيمته برق النجاح ، وأمّلت أن تضرب في خدمته بمعلّى القداح ، أحببت أن ترمي إليه بعزمتك ، وتقذف نحوه بهمتك ، فتجلو ناظرك ، وترهف خاطرك ، بمجاورة بحر المنن ، وفخر الزّمن ، وزعيم الأنام ، وكريم الأخوال والأعمام ، وبديع الأوصاف ، وموطّأ الأكناف ، وأحلم من فرخ الطائر ، وأمضى من الحسام الباتر ، ومن سجيّته الفضل ، وسيرته العدل ، وقوله الفصل ، وحباؤه الجزل ، تلوح على وجهه تباشيره ، وتتملّى الإمامة أساريره ، ملّاه اللّه أطول الأعمار ، كما حاز له أعظم الفخار ، فأرجو أن قد أصبت ثمرة الغراب [ 2 ] ، وارتدت أزهر الجناب ، واجتنيت / خيار الجنى ، ومهّدت في موطن العلا ، فما أغبطني باختيارك ، وأبهجني [ 3 ] بدنوّ مزارك ، فما كان سهمك ليمضي إلّا بعيدا ، وليقع إلّا سديدا ، وما كان ميزك ليختلّ ، ولا سعيك ليضلّ ، فالمرء مستدلّ عليه بفعله ، واختياره قطعة من عقله ، وقد ناديته فأجاب ، واستمطرت سحاب برّه فصاب ، وتلقّاك باليمين ، وأقرّك بالمكان المكين ، واستطال نحوك الزمان ، بل استكثر الساعات والأحيان ، وانتظرك [ 4 ] غدوّا ورواحا ، وترقّبك مساء وصباحا ، وأما الفؤاد فإليك منجذب ، وبودّك مشرب ، ولو استطعت خفضت طرفي فلم أبصر به حتى أراك [ 5 ] ، شرها إلى لحاقك ، وتهالكا على نفيس أخلاقك . قال ابن بسام : ولأبي المطرف ، غير ما فصل مستطرف ، وقلّما يتعطّل من حلي البديع ، وانحفزت في تحرير هذه النسخة من هذا المجموع ، وفاتت [ دركي ] ، ولم يعلق منه إلّا ما كتبت [ بشركي ] .
--> [ 1 ] د : الزمان . [ 2 ] إذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخير والخصب قالوا : وجد ثمرة الغراب وذلك أن الغراب إنما يبتغي من الثمر أجوده وأنضجه لقرب تناوله عليه في رؤوس النخل ( ثمار القلوب : 463 ) . [ 3 ] د ط س : بما أغبطتني . . . وأبهجتني . [ 4 ] ب م : وانتظرت . [ 5 ] من قول المتنبي : فلو أني استطعت خفضت طرفي * فلم أبصر به حتى أراكا